خسارة المعركة ضد البكتريا!!

خسارة المعركة ضد البكتريا!!



الفترة التي سبقت اختراع عقار البنسلين من قبل السير )اليكسندر فلمينغ( كانت الالتهابات البكتيرية تفتك بالبشرية. فمجرد جرح بسيط كان من الممكن ان يؤدي الى التهاب بكثيري خطير يقضي على صاحبه وإذا حالفه الحظ فقد ينجو ببتر العضو المصاب. فعلى سبيل المثال شهدت البشرية فقدان مئات الالف من الأرواح لهذا السبب خلال الحرب العالمية الأولى. الا ان القصة تغيرت بشكل جذري مع اختراع البنسلين (والذي سمي في بعض الأحيان بالطلقة السحرية) وما تلاه من اختراع لبقية المضادات الحيوية. على الرغم من ذلك الا ان سعادة الجنس البشري باختراع المضادات الحيوية لم تدم طويلا بسبب ظهور سلالات بكتيرية لها القدرة على مقاومة المضادات الحيوية المعروفة.

في البداية، تحدث المقاومة المضادة للميكروبات عندما تطور الكائنات الدقيقة (مثل الفيروسات والبكتيريا والطفيليات والفطريات) مناعة ضد الادوية المضادة للميكروبات شائعة الاستخدام مثل الأدوية المضادة للفيروسات والمضادات الحيوية والأدوية المضادة للديدان والعقاقير المضادة للفطريات. من هذا التعريف الأوسع، يمكن تعريف مقاومة المضادات الحيوية بأنها قدرة البكتيريا على النمو والتكاثر حتى في ظل وجود عقارات من المفترض ان لها القدرة على قتلها او (على الأقل) وقف تكاثرها. (1)

جميع أنواع العدوى الجرثومية (فايروسات، بكتريا، او فطريات) المقاومة للمضادات الحيوية تشكل خطرًا على حياة البشر. الا ان البكتريا المقاومة للمضادات الحيوية تعتبر في الوقت الحالي المشكلة الأكثر إلحاحًا بسبب العدد المرتفع من الحالات المسجلة سنويا في جميع أنحاء العالم وما يتبعها من تداعيات صحية واقتصادية. (1) فعندما تصبح ادوية المضادات الحيوية عديمة الفائدة فأن العدوى البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية سوف تنتشر بشكل كبير جدا بين المواطنين ويصبح خطر الوفاة عالي جدا مع ما يعتبر (حاليا) مجرد التهاب بكتيري بسيط. يتوقع العلماء المختصين ان انتشار البكتريا المقاومة للمضادات الحيوية بين المواطنين سوف يثقل كاهل ميزانيات الدول بشكل كبير، لان معالجة هكذا نوع من الالتهابات يتطلب استخدام مضادات حيوية حديثة ومكلفة، بالإضافة الى فترة الرقود الطويلة في المستشفيات والتي يحتاجها المريض للتعافي من الالتهابات البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية المستخدمة حاليا. (2، 3) لذلك، فأن هذه المقالة سوف تركز بشكل رئيسي على مسألة سوء استخدام المضادات الحيوية على تطوير بكتيرية مقاومة للمضادات الحيوية وما يتبعها من اثار سيئة على صحة المجتمع.

ففي عام 2013، نشر المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية  (CDC) أول تقرير له عن تهديدات البكتريا المقاومة للمضادات الحيوية في الولايات المتحدة والذي تضمن نظرة عامة على العبء الصحي والاقتصادي الناجم عن البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية الرئيسية مثل Escherichia coli وClostridioides difficile، وAcinetobacter المقاومة للكاربابينيم، والمكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين (MRSA). اشارت التقديرات المتحفظة لتقرير CDC لعام 2013 إلى أن مليوني أمريكي (على الأقل) يصابون ببكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية سنويًا، وأن ما لا يقل عن 23 ألف شخص يموتون سنويا بسبب البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية. (4) ناقوس الخطر دق بشكل مدوي عندما أصدر المركز الامريكي للسيطرة على الأمراض التقرير الثاني (في عام 2019) عن تهديدات البكتريا المقاومة للمضادات الحيوية في الولايات المتحدة. ووفقًا للتقرير الأخير، فقد زادت الحالات السنوية بالبكتريا المقاومة للمضادات الحيوية في الولايات المتحدة الأمريكية من مليونين في عام 2013 إلى 2.8 مليون بزيادة قدرت بأكثر من 35%، بينما ارتفع عدد الوفيات الى حوالي 35 ألفًا سنويًا. (1)

بالإضافة الى تحذيرات مركز السيطرة على الأمراض الأمريكي (CDC), والمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض, فأن منظمة الصحة العالمية(WHO)  قد بينت في العديد من المناسبات  ان هنالك تسجيل لاعداد مضطردة من العدوى البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية. كل من هذه الهيئات المتخصصة قد بينت بما لا يقبل الشك ان العدوى البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية هي خطر حقيقي على صحة الإنسان، بل وتوقعت منظمة الصحة العالمية ان مع حلول عام 2050 فأن 10 ملايين انسان سوف يموتون (سنويا) بسبب العدوى البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية (5-8). ومما يزيد الطين بلة فأن اعداد المضادات الحيوية المخترعة خلال العقدين الاخيرين هي الاقل على الاطلاق منذ اختراع البنسلين، وذلك يترك الاطباء مع خيارات محدودة جدا في علاج المرضى الذين يعانون من التهابات بكتيرية مقاومة.

اما في العراق، فأن الظروف الاستثنائية التي عاشها البلد على مدى الأربعة عقود الأخيرة اثرت بشكل كبير في غياب دراسات دقيقة تقيم مدى سوء استخدام المضادات الحيوية ونسبة انتشار البكتريا المقاومة للمضادات الحيوية. وإذا اخذنا في الاعتبار المستوى المنخفض لتطبيق القوانين المتعلقة بصرف المضادات الحيوية بصورة أصولية، فيمكن أن نفترض ان الجزء الظاهر من مشكلة البكتريا المقاومة في العراق ما هو الا غيض من فيض. ففي مدينة الموصل على سبيل المثال، أفادت منظمة أطباء بلا حدود أن أكثر من 90٪ من المرضى الذين ادخلوا لتلقي العلاج في احد مراكزها بسبب الالتهابات الجرثومية تبين انهم يعانون من التهاب بسبب كائنات مجهرية لها القدرة على مقاومة انواع متعددة من المضادات الحيوية. (9)

ان من اهم أسباب ظهور السلالات البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية هو الاستخدام الغير مبرر للمضادات الحيوية او سوء الاستخدام. ففيما يتعلق بالاستخدام الغير مبرر للمضادات الحيوية، فكثير من الاطباء يفرطون في وصف المضادات الحيوية ارضاءً للمريض وبدون سبب طبي صحيح. أيضا، قلة الالتزام بقانون مزاولة مهنة الصيدلة لعام 1970 وبيع المضادات الحيوية للجمهور بدون وصفة طبية يسرع من ظهور البكتريا المقاومة للمضادات الحيوية. اما على الطرف الثاني من المعادلة فأن للجمهور دور كبير ظهور البكتريا المقاومة من خلال عدم الالتزام بإرشادات الطبيب المعالج والصيدلي فيما يتعلق بالية تناول المضادات الحيوية بصورة صحيحة. فكثير من المرضى لا يلتزمون بالفترة المحددة للعلاج بالمضادات الحيوية، ويتوقفون عن تناول المضاد الحيوي بمجرد شعورهم بتحسن حالتهم. وقسم اخر لا يلتزم بعدد المرات الواجب فيها تناول الدواء في اليوم او قد يقوم باستبدال المضاد الحيوي بعد يومين او ثلاثة فقط بحجة عدم تحسن حالتهم الصحية بصورة سريعة.

 بعد ان تعرفنا واياكم على الخطر المحدق بالبشرية نتيجة لقدرة البكتريا على تطوير مقاومة بالضد من المضادات الحيوية المتوفرة حاليا في الصيدليات وما يترتب على ذلك تأثيرات سلبية على الصعيدين الصحي والاقتصادي، بالإضافة لاهم أسباب ظهور البكتريا المقاومة. دعونا الان نلخص اهم الإجراءات الواجب اتبعها على الصعيدين الوطني والشخصي للتقليل من ظهور وانتشار البكتريا المقاومة للمضادات الحيوية:

1-على الصعيد الوطني:

  • يجب اعتماد وترسيخ برنامج لمراقبة صرف المضادات الحيوية من قبل الأطباء، وإقامة الدورات التدريبية للصرف الرشيد للمضادات الحيوية.
  • يجب تفعيل قانون مزاولة مهنة الصيدلة لسنة 1970 وبالأخص الجزئية المتعلقة بمنع صرف المضادات الحيوية بدون وصفة طبية.
  • نشر الوعي الصحي بين المواطنين وقيام وزارة الصحة العراقية بحملات توعوية عن مخاطر استخدام المضادات الحيوية بدون وصفة والعواقب المحتملة لظهور سلالات بكتيرية مقاومة.

2-على الصعيد الشخصي:

  • التقيد بإرشادات الطبيب والصيدلي فيما يتعلق باستخدام المضادات الحيوية.
  • عدم استخدام المضادات الحيوية بدون وصفة طبية أصولية، لتجنب ظهور سلالات بكتيرية مقاومة.
  • المحافظة على النظافة الشخصية، مثل الحرص على غسل اليدين بالصابون بشكل دوري.

 

 

المصادر:

  1. CDC, 2019
  2. Shrestha P, Cooper BS, Coast J, et al. Enumerating the economic cost of antimicrobial resistance per antibiotic consumed to inform the evaluation of interventions affecting their use. Antimicrob Resist Infect Control. 2018;7(1):98. doi:10.1186/s13756-018-0384-3
  3. Naylor NR, Atun R, Zhu N, Kulasabanathan K, Silva S, Chatterjee A, et al. Estimating the burden of antimicrobial resistance: a systematic literature review. Antimicrob Resist Infect Control. 2018;7:58. doi: 10.1186/s13756-018-0336-y.
  4. CDC, 2013
  5. European Centre for Disease Prevention and Control. Proposals for draft EU guidelines on the prudent use of antimicrobials in human medicine. 2016.
  6. Department of Health, Department for Environment Food and Rural Affairs. UK Five Year Antimicrobial Resistance Strategy 2013 to 2018 [Internet]. 2013. Available from: https://www.gov.uk/government/uploads/system/uploads/attachment_data/file/244058/20130902_UK_5_year_AMR_strategy.pdf
  7. The AMR Review. Tackling Drug-Resistant Infections Globally: Final Report and Recommendations the Review on Antimicrobial Resistance [Internet]. 2016. Available from: https://amr-review.org/Publications
  8. Department of Health. Reducing infections in the NHS [Internet]. 2016 [cited 2017 Jun 19]. Available from: https://www.gov.uk/government/news/reducing-infections-in-the-nhs
  9. The invisible burden of antibiotic resistance in Mosul: Iraq: MSF [Internet]. Médecins Sans Frontières (MSF) International. 2019 [cited 2020Feb20]. Available from: https://www.msf.org/invisible-burden-antibiotic-resistance-mosul-iraq

اترك تعليقًا