غير جذاب الآن : حوار مع الأديب شمعون بلاص

غير جذاب الآن : حوار مع الأديب شمعون بلاص

حتى بعد وصوله على أبواب الثمانين من عمره ، لم يبدِ بلاص أي علامة أو يرفع راية للشيخوخة أو التنازل . فهو مستمر بوصف نفسه يهودي – عربي ، التعبير الذي صاغه بنفسه ، لكتابة الروايات بالعبرية فقط والبحوث بالعربية فقط والابتعاد بقوة عن السياسة الثقافية . وليس غريبا إن ينضر إليه أبناء الجيل الجديد من الكتاب الشرقيين على انه أب روحي ومؤسس ، وتتعجبون على تفائله حول مستقبل إسرائيل

شمعون بلاص البالغ من العمر (89) عاما هو أديب شامل ، وحاذق . من مواليد بغداد  لا يعرض لك المشرق الهش ، بل الحياة نفسها.  لا يكتب بعلامات رومنسية نمطية ، لكن حياة الناس. وعلى عكس الكتاب المعروفين امثال سامي ميخائيل وإيلي أمير ، لم يركز شمعون بلاس في نثره ، أبداً على إجماع المؤسسة الصهيونية. يضهر ذلك جليا في روايته الجميلة سولو (سيفريات بواليم ، 1998) ، حيث يغوص في حياة القاهرة المسرحية في أواخر القرن التاسع عشر.انها رواية رائعة ، فريدة من نوعها ، وتاخذنا بعيدا عن الأحداث الجارية.

تمتاز شخصيات بلاص بالقوة والأفكار ، فضلا عن كونها ذات تمسك قوي بالتقاليد ، وضع لها المؤلف حرية اختيار على ضوء الحياة التي يرسمها لهم . على سبيل المثال بطل رواية ” أصبح آخرا ” التي تدور حول شخصية البطل وهو احمد نسيم سوسة ، اليهودي العراقي الذي اعتنق الإسلام في الثلاثينيات من القرن العشرين وتحول إلى إحدى الشخصيات المرموقة في الحكومة العراقية ؛ أو شخصية هنري كوريال بطل رواية ” الشتاء الأخير ” زعيم الحزب الشيوعي المصري الذي اعتقل ونفي إلى باريس . حيث عرضت الرواية الشتاء الأخير من حياته ، بعد مقتله أمام منزله في الرابع من مايس عام 1978 من قبل مجهولين .

عمل بلاص خلال سنوات طويلة في الحزب الشيوعي ، غادر الحزب الشيوعي الإسرائيلي تقربيا في ستينيات القرن العشرين . تعرف خلال نشاطات الحزب على زوجته “كيلا ” التي كانت هي الأخرى شيوعية . وهي الآن استاذة الفن الحديث وتعمل بالنحت . عمل بلاص مراسل للشؤون العربية لصحيفة الحزب الشيوعي ” كول هاعام – صوت الشعب ” . وعمل أيضا في مجال الطباعة والتحرير.
بعد ذلك عمل في العديد من الصحف والمجلات الشخصية . وحرص في خضم عمله إن يستمر بكتابته الأدبية . وبعد خمسة عشرة كتابا ( روايات وقصص قصيرة) قام بنشر سيرة ذاتية مقتضبة :” بضمير المتكلم” التي يتطرق إلى تلك السنوات التي بدا بها الكتابة ، والتي دخل فيها بمجال العمل السياسي ، بداية كصبي وشاب في الحزب الشيوعي في العراق وبعد ذلك كرجل بالغ في إسرائيل.

تظهر في روايته من “بضمير المتكلم” ، تظهر ثلاث صور رائعة للشخصيات الرئيسية في الحزب الشيوعي الإسرائيلي. القائد الكاريزمي الذي انضم للحزب من الحركات الصهيونية موشيه سنيه. السكرتير العام شموئيل ميكونيس ، الذي تم تعريفه من قبل سنيه كحارس للحزب ، وبالطبع ، من قبل شاعرها الخالد ألكسندر بن.

بدا بلاص مسيرته الأدبية بالكتابة بالعربية فقط ، لأنه اعتقد بأنه لايمكن لأي إنسان الكتابة الأدبية القريبة منه إلا بلغة أمه. لذا فقد كتب روايته الأولى ” المعبرا ” في البداية باللغة العربية ، كتبها بعد ذلك بالعبرية وصدرت عام 1964 . ورويدا رويدا انتقل إلى الكتابة باللغة العبرية

من المثير للاهتمام أنه على مر السنين ظهر انقسام ثنائي بين اللغات: فاللغة العربية تستخدم في الواقع كلغة للأبحاث الأدبية. وهو خبير كبير في النثر العربي الحديث وخاصة حول النثر الفلسطيني ، وقد حصل على درجة الدكتوراه في موضوع انعكاس الصراع العربي الإسرائيلي في الأدب من جامعة السوربون. العبرية ، التي هي لغته الثانية ، تُستخدم في الكتابة الشفوية ، أي الأدب – القصص والروايات.

كان التقسيم الذي اتبعه بلاص بشان استخدامه للغات شاملا جدا ، فيزيائي ، لدرجة أنه لا يستطيع أن يكتب النثر حيث يكتب البحث وأنه لا يستطيع أن يكتب البحث حيث يكتب النثر. وكانت الدراسات يقوم بكتابتها في غرفته ، النثر يكتبه على الشرفة ، ثم بعد ذلك كوخًا مؤقتًا على السطح تم تدميره أخيرًا بأمر من بلدية تل أبيب ، وأخيراً نوع من مقصورة مرتجلة أغلقت بسبب القانون.

كيف ترى علاقة روايتك الذاتية ” بضمير المتكلم ” مع كتبك القديمة؟

هذه مذكراتي ،  التي تدور حيال مواضيع معينة صادفتني في حياتي ، في بداية مشواري ، في بغداد وفي الحزب الشيوعي العراقي ، الذي كان الحزب الوحيد الذي ناهض الاحتلال الانكليزي ونادى بحرية العراق . عندما كنت شابا وجدت امام منزلي منشورا مكتوبا فيه ” وطن وشعب كريم ” . ما الذي يطلبه الإنسان أكثر من هذا . بدات محاولاتي الأدبية وانا في الصف الثالث . وكان انضمامي لصفوف الحزب الشيوعي وانا ابلغ ستى عشر عاما بمثابة نقطة تحول في حياتي . احسست حينها بانني على الطريق الصحيح .

وفي المقابل هذا ، تعرفت إلى إسرائيل من خلال قرائتي للمجلات الفرنسية قبيل الهجرة إليها . اذكر جيدا صور المعبرا المنشورة بالابيض والاسود ، أخذت اوضاع الشيوعيون في العراق بالتردي حتى احتراق الكنيس ، وقررت على أثرها الرحيل إلى إسرائيل .  وعندما سمعت امي بقراري هذا قالتي لي : ” أما إن نذهب جميعنا ، أو لا يذهب احد  قط ” . وهذا ما حدث ، سافرنا كلنا ماعدا ابي الذي بقي في العراق لقضاء بعض الأعمال ولم يأتي ألينا إلا على فراش الموت في بداية السبعينيات وأنا كنت في باريس احضر لمناقشة الدكتوراه هناك.


يدعي الكثيرون بوجود صوت ادبي شاب يعمل على سؤال الشرق والغرب في العقد الحالي . وهم سامي بردوجو ، دودو بوسي ، متاي شموئولوف ، يوسي سوكري ، حزقيال رحميم . هل تعرف هذه الاسماء ، وهل قرات نتاجاتهم الأدبية؟

قرات القليل من نتاجاتهم الأدبية ، بيد انك نسيت اسما اخرا ، وهو الموج بيهار الذي كتب مجموعته القصصية أنا من اليهود . حتى الاسم مكتوب بالعربية . قرات هذا الكتاب ، ووجدت فرقا بين جيلي وهذا الجيل . أن الأدباء الذين ذكرتهم هم ادباء اسرائيليين ، فاساس لغتهم هي العبرية وليس العربية ، وكذلك تختلف الشعور بين الجيلين ، اتفهم رغبتهم بالاندماج ، ولكن إن رغبوا أو عارضوا فقد درسوا كلا من بياليك وطشرنيخوفسكي ، على الأغلب إن هذا طبيعي . إن هدف وتوجه التعرف على البيئة العربية هم خطوة مباركة وجيدة . هناك صوت كهذا وأنا في وسطه.

هل سينجح هذا الصوت الأدبي كما نجت الموسيقى الشرقية في إسرائيل؟

أنا استمع إلى الموسيقى الإسرائيلية الشرقية بقلة ، واعلم إن الجمهور يحب هذا النوع من الموسيقى ، وتميل الحكومة إلى الاعتراف بها أيضا . بيد انه بخصوص الأدب يساورني بعض الشكوك . إن الأدب الحقيقي ، الناجح ، هذه لغة مزدوجة ، وليست موسيقى بسيطة . إن الموسيقى هي لغة عالمية ، تختلف عن الشخص المولود في بيت صهيوني يتحدث العبرية . إن اللغة شيء أساسي ومؤثر في كتابة الأدب.

عندما بدأت بالكتابة بالعبرية ، كانت هذه الخطوة في غاية الصعوبة ، منعت نفسي من قراءة الأدب العربي بصورة مطلقة ، وأيضا الصحف العربية امتنعت من قرائتها ، لم يكن هذا امرا سهلا ، ولكن بهذه الطريقة كتبت رواية ” المعبرا ”  باللغة العبرية ، التي قمت بكتابتها أول الأمر باللغة العربية . إن الكتابة هي عملية نقل الاحسايس والمشاعر بواسطة الكلمات ، كتابة حول طفولتي في بغداد ، أو ما بقي معلقا منها في ذاكرتي . وعلى ذكر الموسيقى ، يمكنها – نوعا ما – إن تقرّب بين اليهود والعرب .

هل تشعر بانك دفعت ثمنا للأدب بسبب توجهاتك السياسية؟

نعم ، لم امتثل لاوامر المؤسسة الادبية الصهيونية بوصفي شرقيا . فكل وصفي للشرق مع الاكل والطعام والملابس المعطرة والادعية المثيرة للاحاسيس ، ليست مالوفة في نضري . فقد تطرقت إلى أمور أخرى . إن العربي هو في داخلي ، ليس الذي نحن معه في صراع مستمر ، الأمر الذي يريدون جعله بلا هوية ولا ثقافة ، والحقيقة إن العربي هو أنسان كباقي البشر.

إن صراعي من البروفيسور شاكيد نابع من وجهة نضره التي مفادها بأنه يقول إن البعض من أبطال رواياتي ينادون بضرورة تدمير إسرائيل ، وهذا أمر عار عن الصحة ، لا أنا اؤيد ذلك ولا ابطالي يتفهون بمثل هذه الكلمات ، الأمر الذي أثار غضبي حينها .

متى اعود إلى بغداد

كتب شاكيد في تحليله لكتابات بلاص : ” إن موقف بلاص السياسي هو موقف متشائم جدا ، يتوافق مع وجهة النضر العربية ، وفي الحقيقة انه لا يرى حلا لهذه المشكلة إلا بازالة إسرائيل – وجهة النضر هذه لا يهتم البطل أو مؤلفه من قولها علانية أو بالخفاء:.

كانت هذه المناضرة الوحيدة التي اجبت فيها على النقد الموجه لنتاجاتي الأدبية ، وقد نشرت هذه المناضرة في صحيفة ” دافير ” في الصفحة الأدبية . حيث اجبت على هذه الافتراءات مطالبا : على شاكيد إن يقدم اعتذاره لي علانية ، هذه اهانة شخصية نشرت علانية .

كتاباتك في الغالب تميل الى الواقعية. الا تؤمن بالأدب الرائع؟ فرانز كافكا ، على سبيل المثال. ما هي علاقتك بالواقعية في الأدب بشكل عام والواقعية الاشتراكية على وجه الخصوص؟ هل يجب صياغة الكاتب بطريقة ما؟

بالتأكيد ، لقد قرات لفرانس كافكا . ولكنك على حق ، إن كتاباتي واقعية ، فقط في قصصي القصيرة هناك ابتعاد عنها .صحيح أن الكاتب المعبَّر يعبر عن أفكار عظيمة ، كل ذلك كان النقاش حول التناقض بين الخط الواقعي الشيوعي الستاليني والعالم الغربي الذي استمر في الدعوة للكتابة الشخصية.

إن التعرض الأدبي لجرائم نظام ستالين زاد من التفاقم. في شبابي تأثرت بشكل رئيسي بالكتاب الفرنسيين الرومانسيين والواقعيين الذين نعرفهم جميعا. لكن أنا وغيلا عانينا من موقف الحزب بسبب رغبتنا في الفن الحر. كان هذا محور العديد من النزاعات مع ميكونيس وزوجته ، على سبيل المثال ، الذين دعوا إلى خط ثقافي عقائدي “.

وهنا دخلت غيلا في الحوار : إن النهج المتبع في الحزب هو احادية النضرة ، تدور حول الواقعية الاشتراكية ، لم يكتب بلاص بهذا النهج ، إن أبطال رواياته هم أناس مهمين يثيرون الإحساس وليسوا أناس ذوو راي محدد لا يتغير أبدا ، والهدف منها هو الرجوع إلى الماضي . فهناك العديد من الاسئلة والشكوك على الأبطال البحث والاجابة عليها وهذا أمر طبيعي .

ويضيف بلاص  : ” عندما صدرت روايتي ” المعبرا ” لم اكن منتميا إلى الحزب حينها ، بيد إنني أجريت بعض الاتصالات مع الاصدقاء ، حيث قدمت صحيفة ” كول هاعام – صوت الشعب ” لقد نقدا إيجابيا للكتاب ، لكنها كان مترددًا في القول إن الزعيم الشيوعي كان بعيدا في الرواية ، وكان من غير المعقول أن ينظم أهل المعبرا أنفسهم وحدهم. بدون جهود رجل الحزب الذي يأتي من الخارج وسيقودهم “.

وابدى الشيوعيون رفضهم للشخصية السحرية للزعيم المحلي ، يوسف شابي ، الذي أصبح معلما في رواية بلاص الثانية ” تل أبيب شرق ” ثم نائب مدير في حي هاتيكفا ، الذي ينادي بالأفكار الاجتماعية للمساواة والتعددية الثقافية.

هل هناك أدباء عرب رغبت في تقديمهم للقارئ الإسرائيلي . وما هو رايك حيال إسرائيل واندماجها في الشرق الأوسط ، ولو سنحت لك الفرصة هل تذهب إلى بغداد

اردت إن أقدم الأدباء اليأس خوري اللبناني ؛ غسان كنفاني الفلسطيني ، والاديب المصري ادوارد خراط. وعن سؤال حيال السفر إلى بغداد ، طبعا لكنت سافرت فورا لو سنحت لي فرصة . لا للعيش فيها ، إنما للزيارة فقط ، في أيام المناضرة حول السؤال اليهودي – العربي صرخوا علي في المساء الذي خصصوه لي بتقديم نتاجاتي في جمعية الأدباء ، صرخ علي احدهم قائلا : اذهب ، ارجع إلى العراق !”.

في الحقيقة ، لماذا يمكن إن تكون يهوديا امريكيا ، أو فرنسيا ، ولا يمكنك إن تكون يهودي عربي ، هل لكون العرب يعدون عدوا ، يهمني إن أرى ماذا حدث هناك ، فانا املك ماضيا كبيرا في بغداد وفي العراق يهمني ما بقي هناك ، النهر الذي يتلالا في الصيف ، والكثير من صور المقاهي والازقة والشوارع ، في احد الأيام خلعت ملابسي وعبرت الجانب الآخر من دجلة  سباحة ، هذا الأمر يثير اعجابك طبعا ، أما بخصوص مستقبل إسرائيل في المنطقة فانا متفائل في ذلك.

اترك تعليقًا