المخدرات الرقمية في منظور القانون الدولي

صنف المقال: قانون دولي عام

الكاتب: عمر عباس خضير العبيدي

باحث دكتوراه في القانون الدولي

المقدمة

ناقوس خط جديد يدق ويهدد سلامة أبناؤنا ومجتمعاتنا.. استهداف جديد يتربص بهم ولكن هذه المرة ليس تقليدياً.. بل تكنولوجيا.. حيث إنه مخدر جديد يدعى بالمخدرات الرقمية، Digital Drugs أو الجرعة الرقمية iDoser، ويكاد ان يكون تأثيرها وفعاليتها أكثر انتعاشاً واسترخاءً من تعاطي جرعة من الكوكائين أو الماريجوانا وغيرها من الأنواع التقليدية المنتشرة.

ويعد العصر الذي نعيش به حالياً بأنه عصر ثورة تكنولوجيا المعلومات والإتصالات، إذ أنه يتيح فرصاً عديدة للتقارب والتداخل والتفاعل بين المجتمعات بعضها البعض وبين الأفراد والمجتمعات بصورة مذهلة وغير مسبوقة، بحيث أصبحت الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) من أهم وسائل الإتصال بين الأمم والشعوب، وعلى الرغم مما حققته هذه الشبكة الدولية من مميزات إلا أن لها آثارها السلبية، إذ يتم إستخدامها في المجالات الأمنية من قبل جماعات الإجرام المنظم في إرتكاب جرائمهم المنظمة، مثل جرائم الإتجار بالمخدرات وجرائم الإتجار بالنساء وتجنيد الأطفال وغيرها، والملاحظ أن هذا النوع من الجرائم يرتبط بالشباب غالباً، كما أن لها تأثيرات وسلبيات كثيرة، بعضها يتعلق بالأخلاق والدين، والبعض الآخر يتعلق بالأضرار التربوية والنفسية والصحية والإجرامية.

-تعريف المخدرات الرقمية:

عرف بعض الفقه المخدرات هي ” مادة ذات خواص معينة يؤثر تعاطيها أو الإدمان عليها في أغراض العلاج تأثيراً بدنياً أو ذهنياً أو نفسياً سواء تم تعاطيها عن طريق الفم أو الأنف أو أي طريق آخر، بعد بروز نوع مستحدث من إجرام الإنترنت يعرف بإجرام تكنلجة المخدرات والمؤثرات العقلية، حيث لا يمكن لأحد إنكار مدى خطورة الجوانب السلبية لهذه الجرائم في أوساط مجتمعنا، لا سيما أنها تمثل أعتى مظاهر الجريمة المنظمة، ولقد إزداد هذا الأمر خطورة بعد بروز الإنترنت وإستخدامه كوسيلة للتوسيع دائرة الطلب على تلك المواد السامة والخطيرة، حتى أصبحت خريطة حركة عرض المخدرات والمؤثرات العقلية محلياً وإقليمياً وعالمياً لا يكتب لها النجاح ما لم تأخذ في الحسبان العالم الإفتراضي، والذي هو عبارة عن اجتماع التعامل بهذه الجرائم عبر الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت)، وذلك بإستخدام وسائلها، والإتجار والترويج، والتعاطي والنشر.

المخدرات الرقمية هي عبارة عن ملفات صوتية (نغمات) (mp3) ذات ترددات مختلفة ترافقها بعض الأحيان أشكال بصرية عشوائية وهذه الملفات مشابهة لأي ملفات رقمية تخزن في أجهزة الكومبيوتر أو الهواتف النقالة أو أي جهاز إلكتروني اخر مثل (صورة، مقطع فيديو، نص كتابي، ملف صوتي) ولا تختلف ملفات المخدرات الرقمية عن أي ملف صوتي آخر سوى بالنغمة التي تكاد أن تكون غير مفهومة، ويمكن تحميلها من خلال مواقع الكترونية عبر شبكة الإنترنت تكون متخصصة في ترويج وبيع هذه الملفات.

-أنواع المخدرات الرقمية:

المروجون يزعمون الى إن هناك عدة ترددات تقريبا لكل نوع من المخدرات، مثل الكوكائين وميثانفيتامين المعروف بـ “كريستال ميث” وغيرها الكثير، منها الذي يدفع متلقيها للهلوسة أو للاسترخاء وآخر للتركيز وهكذا.

وفي عام 1839 اكتشف العالم الفيزيائي Heinrich Wilhelm Dove اختراع يبرهن على أنه إذا سلطت ترددين مختلفين قليلاً عن بعضهما لكل إذن، فإن المستمع سيدرك صوت نبض سريع. سميت هذه الظاهرة بـ دق على الأذنين binaural beats.

استخدمت هذه الآلية لأول مرة عام 1970 من أجل علاج بعض المرضى النفسيين لاسيما الذين يعانون من الاكتئاب الخفيف والقلق وذلك عند رفضهم العلاج الدوائي حيث كان يتم تعريض الدماغ إلى ذبذبات ترددية كهرومغناطيسية تؤدي لفرز مواد منشطة كالدوبامين وبيتا أندروفين بالتالي تسريع معدلات التعلم وتحسين دورة النوم وتخفيف الآلام وإعطاء إحساس بالراحة والتحسن. واعتبر موقع Psychology Today أنه يمكن استخدام هذه التقنية لعلاج القلق.

-أثر تكنلجة المخدرات في إنتشار ظاهرة المخدرات الرقمية:

تبدأ الرحلة من خلال تصفح بعض المواقع الإلكترونية عبر شبكة الإنترنت المروجة بطرق احترافية لهذا النوع من المخدرات والمستضيفة لها، حيث تغوي المراهقين وتقنعهم باستخدامها، وتعرض كذلك بعض المعلومات عن فوائد هذه النغمات وأنواعها ومدى تأثير كل نوع منها، إضافة إلى أنها تضع دليل وتعليمات إرشادية توضح طرق الاستخدام وأنواعها النغمات والأسعار إزاء كل نوع منها والشعور المنبعث من خلال استخدامها، كما تعرض هذه المواقع بعض التجارب الناجحة على حد زعمهم لفئة من الشباب المتعاطين َالمستخدمين لهذه الملفات والذين كانوا يعانون من مشاكل التوتر والقلق، وكيف أصبحوا سعداء يحلقون في السماء بعد استخدامها وكيف انتقلوا إلى مرحلة الاسترخاء والنشوة واللاوعي، وفقدان التوازن الجسدي والنفسي.

وبعد النجاح لشبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، بدأت بعض المؤسسات الطبية بترويج منتوجاتها على صفحات ومواقع إلكترونية مخصصة لهذا الغرض، ويبدأ المستهلك الإلكتروني يظهر الى الوجود بشكل ملحوظ وتنامي طلبات الحصول على الأدوية والعقاقير إلكترونياً عبر هذه المواقع سواء أكان علة المستوى الوطني أو الإقليمي أو العالمي، وقد أسهم القطاع الصحي والأهلي بشكل كبير في إنتشار ثقافة المخدرات والمؤثرات العقلية من خلال الترويج للأدوية والعقاقير الطبية التي تستعمل لمعالجة حالات الإكتئاب والأمراض النفسية ، إذ قامت بعض هذه المواقع بالتعريف بهذه الأنواع من المخدرات وأشكالها وأضرار اللجوء الى إستعمالها بشكل غير مشروع أو بدون وصفة طبية، وقد ساعد التعريف على آثار هذه الأدوية والعقاقير الى اللجوء لإستعمالها وذلك لأغراض غير طبية كالشعور بالخدر وفقدان الوعي والهلوسة…الخ، أما موضوع الإستماع للموسيقى والملفات الصوتية ذات الترددات المؤثرة في كهربائية الدماغ محدثة نشوة وقتية قد تسبب الإدمان، هذا ولم يعاقب عليها أي قانون لحد الأن لعدم ثبوت التأثير الطبي لهذه الظاهرة على عقل وجسم الإنسان لصعوبة إثبات هذه الجرائم.

وعلى سبيل المثال انه لو تعرضت الأذن اليمنى إلى موجة 325 هرتز واليسرى إلى موجة 315 هرتز فإن الدماغ سيعمل على معالجة الموجتين لتشكيل صوت وموجة جديدة لتكون موجة 10 هرتز وهي نفس الموجة التي ينتجها الدماغ أثناء الارتخاء والتأمل. وكل نوع من هذه المخدرات (الملفات) تستهدف نمط معين من النشاط الدماغي، ويتعلق الأمر بمدة التعرض والظروف المواتية له وأحياناً يتم الاستعانة بالبصر لزيادة تحفيز الدماغ.

-الجهود الدولية في القمع والوقاية من جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية

ان ضعف التعاون الدولي في مكافحة الجرائم الإلكترونية الحديثة وغياب المعاهدات والاتفاقيات والتشريعات الدولية الموحدة في تحرر المجرمين وإفلاتهم من العقاب وبالتالي تمكنهم من تطوير أساليبهم الإجرامية واكتشاف طرق جديدة وبديلة للجرائم التقليدية أو تسهل في ارتكابها وإخفائها.

ولقد إعترف المجتمع الدولي بإن هذا النوع من الإجرام المخدرات والمؤثرات العقلية تهدد الأمن القومي للدول وسيادتها كما تهدد كرامة وآمال الملاين وأسرهم وتسبب خسائر لا تعوض في أرواح البشر، مما يؤدي الى زيادة وتعزيز التعاون الدولي، وكذلك تبادل المعلومات بما فيها تبادل الخبرات الوطنية للكف عن تشجيع إساءة إستعمال المخدرات والإتجار غير المشروع بها بواسطة إستخدام الإنترنت، وفي المقابل إن إستخدام هذه التقنية الحديثة تساعد على خفض الطلب عن المخدرات.

أدت الجهود الدولية لمكافحة هذه الجرائم الى إنشاء الهيئة الدولية للرقابة على المخدرات (INCB) وتم إنشائها وفق البروتكول لعام (1972) مهامها وعملها تختص في تنفيذ الإتفاقية الدولية لمكافحة المخدرات، والرقابة على الإتجار غير المشروع للمخدرات بكافة الوسائل، ودور الدول إتجاه الهيئة الدولية للرقابة على المخدرات من خلال دعمها بالمعلومات والنشاطات المختصة بالمخدرات وتعاطيها، والتدابير المستخدمة للحد منها والجرائم التي القي القبض عليها والكميات المضبوطة داخل الدول كي تكون صورة واضحة عن المخدرات نشاطاً وتدبير ضمن معاير دولية.

الخاتمة:

  • عدم وجود تعريف للمخدرات الرقمية جامع مانع متفق عليه في إتفاقية دولية.
  • يعد مبدأ التعاون الدولي في العالم المعاصر من أهم المبادئ القانونية الدولية، سيما في مجال مكافحة المخدرات، فأيُّ دولةٍ مها بلغت درجة قوتها وصلابتها لا تستغني عن الدخول في علاقات تعاون متبادلة مع غيرها من الدول، خاصةً وأنَّ جهودها الداخلية في مكافحة هذه الجرائم أو الملاحقة لها لم تعد كافية لمنع الجريمة أو تقليص حجمها.
  • ضرورة العمل على إعتماد تعريف جامع مانع لتكنلجة المخدرات، من خلال عقد مؤتمر دولي بإشراف الأمم المتحدة، ويتم من خلاله تحديد تعريف تكنلجة المخدرات، وتحديد خطة عملية دولية لمكافحته بجميع صوره وأشكاله، مع إحترام سيادة الدول الأعضاء.
  • ضرورة العمل على تأسيس هيئة دولية مستقلة لمكافحة المخدرات الرقمية تحت مظلة المنظمات والهيئات الدولية.

المصادر:

  1. د. جميل عبد الباقي الصغير: القانون الجنائي والتكنولوجيا الحديثة- الجرائم الناشئة عن استخدام الحاسب الآلي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1992.
  2. ج.ف. كرامر، د. سز كاميرون: الإدمان على العقاقير المخدرة، ترجمة الدكتور حمدي الحكيم، منشورات الأمم المتحدة، شعبة المخدرات، جنيف، 1977.
  3. د. صالح السعد: المخدرات والمجتمع، دار الثقافة، عمان، 1996.
  4. د. عمر محمد بن يونس: المخدرات والمؤثرات العقلية عبر الإنترنت، دار الفكر الجامعي، مصر، 2003.
  5. هبة نبيلة هروال: جرائم الأنترنت، دراسة مقارنة، إطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة أبي بكر بلقايد-تلمسان، الجزائر، 2014.
  6. عمر عباس خضير جواد: مكافحة جريمة المخدرات المرتكبة عبر الشبكة الدولية للمعلومات، بحث منشور في مجلة الفقه والقانون الدولية، ع84، المغرب، 2019.

اترك تعليقًا